|
|
17-06-2013 |
الخطبة الأولى
الحمد لله على جزيل النعماء وجميل العطاء، والشكر له على ما أنعم من صنوف الآلاء، وعلى ما صرف من أنواع البلاء، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له المعبود الحق في الأرض والسماء، وأشهد أن سيدنا ونبيا محمد عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، تركنا على المحجة البيضاء وحذرنا من الخلاف والنزاع والشقاق والأهواء، ودعانا إلى الائتلاف والتواد والصفاء، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجهم وزايل أهل الفرقة والأهواء.
أما بعد .. أيها المسلون أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله العظيم، أوصيكم ونفسي بوصية الله للأولين والآخرين والسابقين واللاحقين، يقول الحق عز وجل في محكم كتابه العظيم، (ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله) سورة النساء الآية 131.
أيها المؤمنون التقوى تاج الفضائل وزينة الأعمال وهي خير زاد يقدم به العبد ليوم المعاد، (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى) سورة البقرة الآية 197.
أيها المؤمنون جرت سنة الله عز وجل الكونية في خلقه ونفد ناموسه القدري في عباده أن خلقهم مختلفي الألسن والألوان والمناهج فقد قال سبحانه وتعالى: (ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين) سورة الروم الآية 22.
وهذا الاختلاف وهذا التمايز والتباين بين العباد يقتضي الاختلاف في الأمور الدينية والدنيوية، ولكن الاختلاف بذاته لا يثير فتنة ولا يولد تنافرا والخلاف العلمي أيها المؤمنون بمجرده لا يثير كوامن النفوس ونزعات الصدور إلا عند من قل فقهه في دين الله عز وجل وضعفت تربيته وساء قصده ونيته .. أما العلماء الصادقون والكُتّاب المخلصون فأولئك عن هذا مبعدون، وذلك لأنه قد جرت سنة الله عز وجل بهذا الاختلاف، (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) سورة هود الآيتان 118 و 119.
والعلماء والفقهاء والمصلحون في كل زمان ومكان ليسوا بدعًا من البشر وليسوا بخارجين عن هذه السنة الكونية، والشرع المطهر قد جعل الاختلاف بين أهل الاجتهاد دائرًا بين الأجر والأجرين، فمن أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر، فإذا صحت النية وكانت الوسيلة صائبة وكان المجتهد أهلاً للنظر فلا ينبغي أن يكون ذلك مدعاة للنزاع والشقاق والخلاف.
أيها المؤمنون أنتقل بكم إلى مشهد من مشاهد الخلاف الراقي بين الرعيل الأول، بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنقل لكم ومضة من ومضات تلك الحياة العطرة، حج عثمان رضي الله عنه سنة تسع وعشرين فصلى بمنى وعرفة أربعاً وكانت سنة النبي صلى الله عليه وسلم القصر وكانت سنة النبي صلى الله عليه وسلم القصر، فتكلم الناس في ذلك وعاب عليه جمع من الصحابة ذلك، حتى قال له علي رضي الله عنه وأرضاه لقد أحدثت أمرًا وما يزال العهد برسول الله صلى الله عليه وسلم قريبًا، فقال عثمان رضي الله عنه هذا رأي رأيته، وقال: إنّ جمع من الناس قالوا إن صلاة المقيم ركعتان وإني اتخذت أهلاً بمكة، بيّن حُجّته وما ذهب إليه، وقال هذا رأي رأيته، فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه نحو ما قاله علي رضي الله عنه ورد على ما استدل به عثمان بقوله ليس لك عذر فيما ذهبت إليه من شيء، ثم إن عبد الرحمن بن عوف لقي في طريقه بعد ذلك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقال له يا أبا محمد لقد غيّر ما نعلم، فقال ابن مسعود فماذا أصنع فقال اعمل بما ترى وتعلم فقال عبد الله بن مسعود كلمته التي ينبغي أن يجعلها المسلم نبراسًا ومنهاجًا يسلكه، كلمة سطّرها التاريخ وترددها الأجيال جيلاً بعد جيل ورعيلا بعد رعيل قال:"الخلاف شر كله وقد صليت بأصحابي أربعًا"، فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عن الجميع قال وأنا صليت بأصحابي ركعتين وأما الآن فسوف أصلي بهم أربعًا".
تأملوا معي يا رعاكم الله هذا الموقف العظيم وهذا الاختلاف بين أولئك الجبال العظام من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، فإنه لا ينبغي للمسلم أن يخطر بباله أن عثمان رضي الله عنه قد انطوى على هوى في نفسه ولا أنه كان يريد عصيانًا أو تنكرًا للسنة أبدًا، ولكنه ذهب إلى رأي رجّحه ورأى أنه هو صواباً، وفي المقابل كان موقف مخالفيه من الصحابة رضوان الله عليهم كعبد الرحمن بن عوف وعبدالله بن مسعود كان رأيهم أنهم تركوا ما رأوه راجحاً صواباً، وذلك إرادة في توحيد صف الأمة وجمع كلمتها ورأب صدعها.
أيها المسلمون الخلاف والاختلاف أمر وارد وسنة كونية، ولكن ذلك الأمر يعظم أمره وفداحته في ظل الظروف التي تمر بها الأمة الإسلامية والعواصف التي تموج بها، فإن أعداء الإسلام لن يجدوا مدخلاً أعظم من اختلاف المسلمين تحقيقًا لمآربهم ولن يجدوا وسيلة هي أيسر مؤونة عليهم من ذلك الأمر.
إن الناظر في واقع الاختلاف بين المسلمين الذي يكاد يطال تفاصيل حياتهم، ليجزم أن هناك أغراضًا وأهواء كامنة وراء هذا الاختلاف، بل أقول إنه يجزم أن هناك أصابع خفية تحرك هذا الخلاف حتى تحقق مآرب أعداء الإسلام، ولا تعجبوا أيها المسلمون فقد فشا سوق النفاق وكثر الدخلاء.
أيها المسلمون إني أرى أن الأهواء النفسية والأغراض الدنيوية هي التي تحيل الاختلاف المحتوم بمقتضى سنة الله عز وجل، هي التي تحيله إلى خنجر يطعن في خاصرة الأمة وسهم يصيب مقاتلها وإلى حجر يقف في طريقها، فإن الهوى ما خالط شيئًا إلا أفسده وما صاحب شيئًا إلا غيره، إن المرء المسلم ليغير الحقائق بدافع الهوى فلا تعجب أن ترى العالم يخرج من السنة إلى البدعة، ولا تعجب أن ترى الزاهد المتزهد يوقعه الهوى في الرياء والسمعة، ولا تعجب أن ترى الحاكم أو غيره يقلب الحقائق فيظلم ويجور ويحيف.
أيها المسلمون من هنا يبرز دور قادة الأمة حُكّاماً وعلماء ومصلحين، في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ المسلمين، ينبغي أن يدير أولئك القادة أزمة الاختلاف وأن يقودوها إلى ساحل بر الائتلاف والاجتماع، إن الأمة في غالب الأمر يصلح حالها بصلاح هؤلاء ويفسد بفسادهم، ولذلك فإن الإسلام إذا أصيب في هؤلاء فإن أمل الإصلاح ضعيف والله المستعان.
أيها المسلمون إن مما يأسف ويأسى له المرء أن يجد كاتباً مغرضاً أو مستمعاً متجنياً أو قارئاً مسيئاً يتتبع العثرات ويتلمس الهفوات للمسلمين، فإذا وجد حسنةً دفنها وإذا وجد سيئةً نشرها وأشعاها بين الناس، بل أعجب من ذلك أنك تراه إذا لم يجد شيئاً من القول أو باطلاً من الكلام، فإنه يلوي عنق النصوص ويُحرّف الكلم عن مواضعه، بل ويدس أنفه في المقاصد والنيّات والله المستعان.
ماذا يريد هؤلاء من المسلمين؟ (ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين) سورة المطففين الآيتان 4 و5 .
ألا يعلمون أن الله عز وجل يُحصي عليهم أقوالهم وأفعالهم، وأنه سيجازيهم في يوم لا ينفع فيه إلا العمل الصالح، والصدق مع الله عز وجل.
أيها المسلمون .. اتقوا الله عز وجل حق التقوى، واعتصموا بالإسلام جميعاً كما أمركم ربنا جل وعلا حيث قال: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا) سورة آل عمران الآية 103، وقال: (وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين) سورة الأنفال الآية 46.
أيها المسلمون .. هذه الأمة العظيمة أمة واحدة قال الله عز وجل وإن هذه أمتكم أمة واحدة فاتقوا الله وأطيعون هذه أمة لا ينبغي أن يتخلل النزاع والخلاف صفوفها، ولا ينبغي أن يفرق الشقاق والشحناء صفها، اتقوا الله أيها المسلمون، وادخلوا في الإسلام متحابين والتزموا التآخي متناصرين متراحمين، واصفحوا عن عثرات العاثرين، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
اللهم إنا نسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، وخشيتك في الغيب والشهادة، ونعوذ بك أن نقول زورا أو نخشى فجورا، أقول ما سمعتم واستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وخلاّنه.
أما بعد، فاتقوا الله أيها المسلمون، اتقوه حق التقوى واعتصموا من الإسلام بالعروة الوثقى.
أيها المسلمون .. لقد تضافرت نصوص الكتاب والسنة على الأمر بالاتفاق والائتلاف، وترك النزاع والاختلاف.
إن نبينا صلى الله عليه وسلم كان أحرص ما يكون على أن تجتمع كلمة هذه الأمة، بل إنه صلى الله عليه وسلم كان يحرص على أن لا يتخلل النزاع صفوف المسلمين حتى في الأمور التي قد لا يظهر انعكاسها على أمور الدين.
فإنه صح أنه صلى الله عليه وسلم رأى في بعض أسفاره، رأى أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم قد تفرقوا في الشعاب والأودية وهذا أمر ليس بالغريب فقال: (إن تفرقكم في الشعاب والأودية إنما ذلك من الشيطان)، فكانوا بعد ذلك إذا نزلوا منزلاً انضم بعضهم إلى بعض، حتى يُقال لو بسط أحد رداءه لعمّهم.
إن الله عز وجل قد وعظ المؤمنين موعظة بليغة بل إن هذه الموعظة هي أول موعظة وعظها الله المؤمنين بعد أن أفاء عليهم بالنصر والظهور يوم بدر، فقال: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين) سورة الأنفال الآية 46.
وكأن الباري سبحانه وتعالى يشير إلى ما سيقع بعد ذلك من أحداث أُحُد، فإن المسلمين حين وقع منهم ما وقع من أمر التنازع والاختلاف، كان ذلك ذريعة توصل بها عدو الإسلام إلى أن أصاب المسلمين، فقد أخبر الله عز وجل في كتابه العزيز فقال: ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم) سورة آل عمران الآية 152.
أيها المؤمنون .. إن الله عز وجل أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه وثنّى بملائكته المسبحة بقدسه وثلّث بكم جميعاً من جنه وإنسه فقال عز من قائل إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً.
وقال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم من صلى عليّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً.
الله صلِّ وسلم وبارك على سيد الأولين والآخرين وإمام المتقين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين، اللهم وارض عن الصحابة أجمعين وعن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين وعنّا معهم بمنك وكرمك وفضلك يا أرحم الراحمين.
اللهم يا ذا الطول الشديد يا ذا البأس الشديد والأمر الرشيد اللهم يا من لا يخفى عليه شيء من أمرنا، اللهم يا من لا يخفى عليه حال من أحوالنا، اللهم لا يمتنع سلطان عنه بسلطانه ولا يغالبه مغالب بمنعة ولا يكاثره مكاثر بمال، يا ربنا ويا سيدنا ويا مولانا نتوجه إليك في هذا الجمع المبارك وهذه الجمعة المباركة أن تنصر إخواننا في سوريا يا رب العالمين، اللهم أنزل عليهم نصرك العاجل، اللهم توَلّ أمرهم واجبر كسرهم واحقن دماءهم وارفع رايتهم يا رب العالمين، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم يا أرحم الراحمين.
اللهم اجمع شمل إخواننا في مصر، اللهم ألف كلمتهم على الحق، اللهم أصلح ذات بين المسلمين في كل مكان تحت كل سماء وفوق كل أرض.
اللهم ارحم هذه الأمة المكلومة المظلومة يا رب العالمين، اللهم أعلي شأنها وارفع رايتها، اللهم أقر بها عين نبينا صلى الله عليه وسلم، واجعلها كما أردت خير الأمم يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم إنا نسألك أن توفق ولي أمر هذه البلاد لما فيه الخير والصلاح للبلاد ولعباد، اللهم وفقه لهداك واجعل عمله في رضاك، ووفق أعوانه لما فيه خير الإسلام والمسلمين.